الجرّة على الرفّ
عائشة بنت سبع سنوات، تقضي الصيف في بيت جدّتها، في قريةٍ صغيرة على البحر. بيت الجدّة أبيض، وبابه أزرق، وفي صحنه حوضُ ريحانٍ يشمّ منه الهواء كلّ صباح.
وفي غرفة الجدّة، على رفٍّ عالٍ، تجلس جرّةٌ زرقاء. مستديرةٌ كالقمر، منقوشةٌ بنقاطٍ بيضاء، وفيها ماء الورد. كلّ صباح تفتح الجدّة الجرّة، وتغمس طرف إصبعها، وتلمس أذن عائشة وتقول: «رائحة الجدّات، يا عائشة».
تحبّ عائشة تلك الجرّة أكثر من كلّ شيء في البيت. لكنّها تحبّ أيضاً أن تركض داخل البيت، رغم قول الجدّة: «البيت ليس ملعباً يا عائشة، والجرّة ليست كرة».
الحمامة البيضاء
في صباح الخميس، دخلت حمامةٌ بيضاء من الشبّاك. ركضت عائشة خلفها، وطارت الحمامة، فلمست يدُها الرفّ.
طرق… طق!
سقطت الجرّة، وانقسمت إلى قطعتين، وسال ماء الورد على البلاط مثل نهرٍ صغير.
توقّف كلّ شيء. خرجت الحمامة من الشبّاك، وبقيت عائشة واقفة تنظر إلى القطعتين، وقلبها يقرع مثل طبل العيد.
خلف الستارة
جمعت عائشة القطعتين، وأخفتهما خلف الستارة، ووضعت السجادة الصغيرة فوق البلل. ثم خرجت إلى الحديقة وجلست تحت شجرة الليمون.
لكنّ الجلوس لم يكن مريحاً ذلك اليوم. لا اللعب، ولا الحلوى، ولا حتى القطة التي جاءت لتدعك رأسها بقدمها.
من الداخل، نادى صوت الجدّة: «عائشة… أين ماء الورد؟»
قالت عائشة بصوتٍ صغيرٍ جداً: «ما… ما رأيت شيئاً».
ثم خطرت لها فكرة: «أقول إنّ القطة كسرتها!». لكنّ القطة فتحت عينيها الصفراوين، ونظرت إليها، ثم مشت وحدها، ولم تدافع عن نفسها.
ليلٌ بلا نوم
في الليل، لم تنم عائشة. عدّت النجوم إلى عشرين، ثم إلى أربعين، ثم توقّفت لأنّها أخطأت في العدّ.
كانت القطعتان في صدرها، لا خلف الستارة. شعرت أنّها تحمل صخرة، وأنّ الصخرة تكبر كلّما فكّرت في إخفائها.
الحقيقة الثقيلة
في الصباح، جاءت الجدّة تحمل القطعتين في يديها، ووضعتهما على الطاولة بهدوء، وقالت: «من كسر جرّتي؟»
نظرت عائشة إلى الأرض. رأت قدميها الصغيرتين، ورأت أنّ الحقيقة ثقيلة… لكنّ الكذب أثقل.
قالت ببطء: «أنا يا جدّتي. كنت أركض خلف الحمامة. أنا آسفة». ثم بكت، بكت مثل مطرٍ صغير.
الغراء والريحان
فتحت الجدّة ذراعيها. دخلت عائشة في الحضن، وشمّت رائحة ماء الورد في ثوب الجدّة، وسكت البكاء.
«الجرّة تُشترى بقرش، لكنّ الصدق لا يُشترى بكنز. أنا حزينة على الجرّة، وفرحانة بك».
أحضرت الجدّة علبة غراء، وعلّمت عائشة أن تلصق القطعتين: الصبر أوّلاً، ثمّ الغراء، ثمّ الانتظار في الشمس حتى يجفّ.
ثم قالت الجدّة: «الجرّة لن تحمل ماء الورد بعد اليوم، لكنّها تستطيع أن تحمل شيئاً آخر».
ذهبتا إلى الحديقة. ملأت عائشة الجرّة بالتراب، وزرعت فيها عود ريحان صغير، وسقته بماءٍ قليل، كما تُسقى الأشياء التي نحبّها.
حديقة في جرّة
بعد أسبوع، صار للجرّة شعرٌ أخضر، وريحٌ يملأ الغرفة. صارت الجدّة تفتح الشبّاك كلّ صباح وتقول: «رائحة الجدّات، يا عائشة». وتضحك عائشة، لأنّ الريحان ريحُها هي.
وفي الصيف التالي، كبر الريحان حتى صار شجرةً صغيرة. وكلّما مرّ ضيف، أخبرته الجدّة: «هذه الجرّة كسرتها عائشة، وأصلحناها معاً». فيسأل الضيف: «وأين العيب؟» فتقول الجدّة: «العيب يصير عيباً حين نخفيه. أمّا الآن، فهو حديقة».
وفي البيت الأبيض ذي الباب الأزرق، تعلّمت عائشة أنّ الاعتراف ليس خسارة… بل بذرة.